تتجه الأنظمة الصحية الحديثة إلى التعامل مع الإعاقة ليس فقط باعتبارها حالة طبية فردية، بل كعامل مؤثر في الأمن الصحي للدول. وقد أدى هذا التوجه إلى طرح سؤال مهم: كيف يمكن للتعامل مع الإعاقة أن يعزز قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات والأوبئة والاضطرابات الاجتماعية؟
يُعرّف الأمن الصحي عادة بأنه قدرة الأنظمة الصحية على منع المخاطر والكوارث أو الحد من آثارها. غير أن الأشخاص ذوي الإعاقة كانوا غالبًا خارج حسابات التخطيط للطوارئ. وقد أظهرت تقارير الهيئات الوطنية لذوي الإعاقة أن غياب الاعتبار لهذه الفئة يجعل أي أزمة صحية أكثر خطورة، ليس عليهم فقط، بل على المجتمع ككل.
كشفت الجائحة العالمية الأخيرة عن نقاط ضعف واضحة في حماية الأشخاص ذوي الإعاقة. فقد واجه كثير منهم صعوبات في الحصول على العلاج، أو فقدوا خدمات التأهيل، أو تعرضوا للعزلة الاجتماعية بسبب نقص التكنولوجيا الداعمة. وفي المقابل، نجحت دول أخرى في تجاوز الأزمة بشكل أفضل لأنها دمجت الإعاقة في خطط الطوارئ، مثل توفير خطوط ساخنة بلغة الإشارة وأنظمة لمتابعة الحالات المزمنة عن بُعد.
أصبحت التكنولوجيا الصحية جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الصحي. استخدام التطبيقات الناطقة وأجهزة المراقبة الصحية الذكية والعلاج عن بُعد ساعد الأشخاص ذوي الإعاقة على مواصلة حياتهم بأقل قدر من الانقطاع في الأزمات. وتعمل بعض وزارات الصحة العربية على دمج هذه الابتكارات ضمن استراتيجيات وطنية.
تنبه تقارير الهيئات الدولية إلى أن التعامل مع الإعاقة باستهانة تكلفة اقتصادية مباشرة. فغياب سياسات وقائية أو برامج تدخل مبكر يؤدي إلى ارتفاع تكاليف العلاج والتأهيل على المدى الطويل. وتشير الدراسات الجامعية إلى أن كل دولة تضع نظامًا فعالًا لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة تحصل على عائد اقتصادي ملحوظ.
تشير وزارات الصحة وهيئات الإعاقة في الدول العربية إلى ضرورة تضمين الإعاقة في خطط الطوارئ عبر: تدريب الكوادر الصحية، وتهيئة مراكز الإيواء، وتوفير مواد إرشادية بلغة سهلة وبطريقة صوتية وبصرية، وضمان الاستمرارية الدوائية، وإنشاء قواعد بيانات محدثة للفئات الأكثر هشاشة.
عندما تنظر الدول إلى الإعاقة بوصفها عنصرًا من عناصر الأمن الصحي، فإنها تعيد بناء نظامها الاجتماعي والصحي بطريقة أكثر عدلًا واستدامة. الأشخاص ذوو الإعاقة ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم معيار لمدى إنسانية النظام الصحي وقدرته على حماية كل فرد.